كشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية إن محاولة السعودية الغريبة تقويض نفوذ حزب الله عبر احتجاز خصمه السياسي السني سعد الحريري رئيس الحكومة اللبنانية أفضت إلى تعزيز الوضع المهيمن للحزب في لبنان بعد أن ظهر الحزب في موقف المدافع عن الحريري، ملمحة إلى أن الرياض بتصرفاتها تساعد الحزب على إيجاد حلفاء سنة.

وأشار تقرير لواشنطن بوست إلى أنه حتى في الوقت الذي تُصعِّد فيه بلدان عربية الضغط على حزب الله، عزَّز الحزب اللبناني الشيعي مركزه كقوةٍ إقليمية، فأبرز قوته العسكرية خارج حدود لبنان وصمد في وجه الأزمات السياسية بالداخل.

ويأتي صعود الحزب في الوقت الذي تتنافس فيه إيران والسعودية على الهيمنة في المنطقة، ما زاد حدة الصراعات من سوريا إلى اليمن. وتنظر الرياض إلى حزب الله باعتباره أقوى وكلاء إيران، وفي الأسابيع الأخيرة قادت جهوداً تهدف إلى عزله.
لكنَّ الوضع المهيمن لحزب الله ظهر هذا الشهر، نوفمبر/تشرين الثاني2017، في القصة الملحمية المستمرة لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، حسب وصف واشنطن بوست.

أحلام بن سلمان

فوفقاً لمسؤوليين أميركيين ولبنانيين، أرغمت السعودية الحريري على الاستقالة، مُمزِّقةً الحكومة الائتلافية اللبنانية، التي تضم وزراءً من حزب الله. وراود السعودية الأمل في أن تُقوِّض الخطوة إيران عبر تمهيد الطريق أمام تحرُّكٍ أكثر قوة ضد الميليشيات الشيعية، بحسب المسؤولين.

لكن بدلاً من ذلك، جعلت الخطوة لبنان يحتشد دعماً لرئيس وزرائه وأظهرت حزب الله باعتباره قوة الاستقرار في البلاد.

وفي يوم الأربعاء، 22 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن الحريري تعليق استقالته بعد عقد مباحثاتٍ مع الرئيس اللبناني ميشال عون.

والآن، يُتوقَّع أن يستفيد حزب الله من تلك الفوضى، مُستغلاً براعته السياسية والعسكرية – وشبكاته الاجتماعية الواسعة في لبنان – لترسيخ نفسه بصورةٍ أكبر حسب تقرير واشنطن بوست.

فمن معاقله في جنوب لبنان، وهي المنطقة التي صنع فيها الحزب اسمه نتيجة قتاله ضد القوات الإسرائيلية، إلى ساحات المعارك في سوريا، يبدو حزب الله في حالة صعود، ولا يوجد سوى قليلين فقط قادرين على التصدي له.

قال رفائيل ليفيفري، الباحث غير المقيم بمركز كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط: “راود السعوديين الأمل بأن تخلق استقالة الحريري صدمة.. وأنَّ الحكومة ستتفكَّك على الفور، وأن يضطر حزب الله وحلفاؤه للتنحي عن الوزارات والمناصب المهمة الأخرى. لكن بالطبع لم يحدث ذلك قط”.

وأضاف لفيفيري أنَّ حزب الله أصبح أقوى بعد بداية الحرب السورية، حينما ضم قواته إلى جانب الحكومة السورية المدعومة إيرانياً لقتال المعارضة السُنّيّة. وتابع: “إنَّ نفوذه في قلب المؤسسات الأمنية اللبنانية بالتأكيد أكبر من ذي قبل”.

دولة خارج الدولة

ويُحكَم لبنان، البلد الذي يبلغ سكانه 6 ملايين نسمة فقط، عبر اتفاقٍ لتقاسم السلطة بين الطوائف الدينية الرئيسية في البلاد، المسيحيين، إلى جانب المسلمين السُنّة والشيعة. ورئيس الوزراء سُنّيّ. أمَّا رئيس البرلمان، وهو شيعي، والرئيس المسيحي فكلاهما حليفان لحزب الله. ويشغل حزب الله 10 مقاعد في البرلمان وحقيبتين وزاريتين بالحكومة.

بيد أنَّ الحزب يستمد قوته أيضاً من هياكل السلطة الرسمية خارج لبنان، التي يلعب فيها دور المُتعهِّد الاجتماعي وصانع الملوك في آنٍ معاً، إلى جانب كونه جيشاً مخيفاً غير تابع للدولة ووكيلاً مدعوماً من إيران.

ويمكن القول إنَّ قدراته تفوق قدرات القوات المسلحة اللبنانية، وغرست خدماته الاجتماعية – من المدارس إلى الجمعيات الخيرية والمساعدات الفنية للمزارعين – ولاءً قوياً له في صفوف الشيعة والطوائف الأخرى.

فقال هايكو فيمن، مدير برنامج العراق ولبنان وسوريا في مجموعة الأزمات الدولية، وهي مجموعة غير ربحية تبحث في الصراعات العنيفة: “حزب الله يزدهر بالتأكيد من مركزه كدولةٍ داخل الدولة”.

وأضاف فيمن أنَّه في أوقات الأزمات، حين تضعف المؤسسات السياسية اللبنانية، “يصبح ما يقدمه حزب الله لجماهيره أهم. فالحزب من ناحيةٍ مترسخ بقوة في مناطقه، ومن ناحيةٍ أخرى آمنٌ جداً في مركزه مقابل مؤسسات الدولة”.

بدايته

يُرجِع حزب الله، كقوة حرب عصابات، أصوله إلى الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بين عام 1985 إلى 2000، حين أدَّت الهجمات على القوت الإسرائيلية إلى انسحابها النهائي من الأراضي اللبنانية. وخاض حزب الله حرباً أخرى مع إسرائيل عام 2006، وهي الحرب التي انتهت إلى طريق مسدود لكن رفعت مكانته باعتباره قوة ردعٍ كفؤة.

لكن القتال في سوريا كان هو ما قفز بالحزب إلى مكانته كتنظيمٍ عابر للحدود يمتلك قدراتٍ تنافس جيوش المنطقة.

خسائر كبيرة

فَقَد حزب الله آلاف المقاتلين في سوريا، لكنَّه كما يقول ليفيفري، “أعاد أيضاً تجنيد الكثير من أعضائه الجدد.. واكتسب مهارات جديدة تُحوِّله من مجموعة شبه عسكرية قادرة على شن حرب العصابات إلى جيشٍ حقيقي صغير”.

وأضاف أنَّ الحزب يمتلك الآن كتائب دباباته، ووحدات العمليات الخاصة، ويُنسِّق مع الجيشين السوري والروسي في سوريا، ويقود هجماتٍ مُعقَّدة في أراضٍ معادية. ويتلقي كذلك تدفُّقاً مستمراً من الأموال والأسلحة من إيران، التي عزَّز رجال الدين الشيعة الذين يحكمونها صعود حزب الله.

ونتيجةً لذلك، قاد حزب الله عمليات هجومية ضد المتطرفين السُنّة على الحدود السورية اللبنانية، بالتنسيق مع الجيش اللبناني لكنَّه أيضاً جعل الجيش في الخلفية بعده هو.

العلاقة مع الجيش

وقال محمد عبيد، وهو محلل سياسي مُقرَّب من حزب الله: “اضطر الحزب للعب هذا الدور، لأنَّه حين لا تقوم الحكومة اللبنانية بواجبها في حماية الشعب، على أحدهم أن يدافع عنه”.

وفي تلك الهجمات – في بلدات عرسال والقلمون اللبنانية – طرد حزب الله والجيش اللبناني مسلحين مرتبطين بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة . 

وقال عبيد عن العمليات: “هذا التنسيق لا يعني أنَّ حزب الله يسيطر على قرارات الجيش اللبناني. لكنَّ المعركة ليست سهلة بالنسبة للجيش اللبناني. وحزب الله موجود في كل مكان”.

يبحث عن حليف سني

ومع أنَّ الحزب لا يزال يتمتع بشعبية، خصوصاً في وجه ما يراه الكثير من اللبنانيين عدواناً سعودياً، فإنَّه يحتاج للحفاظ على دعمٍ على الصعيد الوطني. فالحزب يُصوِّر نفسه باعتباره مدافعاً عن كافة الطوائف اللبنانية، ويسعى لإيجاد حلفاء سُنّة داخل وخارج الحكومة. 

ولطالما كان الحريري، السُنّي، معارضاً لحزب الله. لكن حين استقال في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، اتهم الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، الحكومة السعودية باحتجاز رئيس الوزراء المتعثر ودعا لعودته الفورية إلى الوطن.

قال فيمن: “بالتأكيد يرغب حزب الله في حلفاء سُنّة. والمشهد الكامل للحزب، على الأقل على السطح، ليس مشهداً طائفياً”.
وفي الوقت نفسه، يظل بعض اللبنانيين حتى ممن يقولون إنَّهم ليسوا تابعين للحزب مؤيدين متحمسين له.

فقال بلال بلوط، وهو وكيل تحصيل ائتماني من جنوب لبنان: “هناك أشخاص مع حزب الله لأسبابٍ أيديولوجية، وهناك أشخاص مع حزب الله لأنَّه يحمينا. القوات اللبنانية تمنحنا ما تستطيع، لكنَّ حزب الله لديه جيش”.

وأضاف: “حين يكون لديك قوة شعبية، تحصل على قوة سياسية. وحزب الله يصبح أفضل وأقوى كل يوم”.