بقلم| أ. جمال فريد غانم

بسم الله الرحمن الرحيم

بعد قراءة موضوع فرض الكفاية تدرك ان المجتمع ليس مكون من افراد بل الاصل هو العلاقات الدائمية بين الافراد وهذه لا مناص من تحقيقها لانها ان لم توجد تفرق الجمع وتشتت الشمل فيختفي المجتمع.

عند قراءة موضوع فرض الكفاية تقتنع ان الدين لا يقام الا بالخلافة وان المسلمين يظلون آثمين بلا الخلافة لأنهم لن يستطيعوا اقامة فروض الكفايات فكيف يمكن للفرد المسلم مهما كانت درجة تقواه والتزامه الفردي ان يعلم اين وجه التقصير في فروض الكفاية في الامة : هل هو في المجتهدين ام في المهندسين ام المحتسبين ام الاطباء ام الدعاة ام المستوردين ام المزارعين ام النساجين ام انكار المنكر ؟

. ما هي فروض الكفايات :

أولًا: طلب العلم الشرعي ليس فرض عين على جميع الأمة، بل هو من فروض الكفاية، يقول السعدي – رحمه الله -: “فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين” أن المسلمين ينبغي لهم أن يُعدوا لكل مصلحة مِن مصالحهم العامة مَن يقوم بها،

ثانيًا: الدعوة والإرشاد من باب فروض الكفاية، وليست فرض عين على جميع الأمة. قال الله عز وجل: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾ [النحل: 125]،

ثالثًا: صلاة الجنازة: ومِن أمثلة فروض الكفاية التي ضربها أهل العلم مثلًا: صلاة الجنازة، وتغسيل الميت، والقيام بدفنه، ويمكنك ان تلحق بها الحج .

رابعًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو قطبُ الدِّين ورحى الإسلام، وبه نجاة الأمة من السقوط في براثن المعاصي والذنوب، وبه تحفظ الأعراض والأموال، وهو مِن فروض الكفاية، كما دلَّت على ذلك الآيات والأحاديث الشريفة؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104].

يقول القاسمي – رحمه الله -: “وفي الآية دليلٌ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنَّة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهَّرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مَشِيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها – كذا في فتح البيان. قال الغزالي – رحمه الله -: في هذه الآية بيان الإيجاب؛فإن قوله تعالى: “ولتكن” أمر،وظاهر الأمر الإيجاب، وفيها بيان أن الفلاحَ منُوط به؛ إذ حصر وقال: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]،وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين، وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن الآخرين؛إذ لم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف، بل قال: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ﴾ [آل عمران: 104]، فإذا ما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين، واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين،وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون، عم الحرجُ كافة القادرين عليه لا محالة،انتهى”[13].

خامسًا: رد السلام واجب على الكفاية، أما ابتداء السلام فهو سنَّة على الكفاية. المجال الثاني: الأمور الدنيوية أولًا: العلوم الدنيوية: التي لا علاقة لها بالشرع؛ كالطب والهندسة وغيرهما من سائر تلك العلوم، فتعلُّمه فرض كفاية. يقول الإمام الغزالي – رحمه الله -: فلا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات؛ فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات؛ كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة؛ فإنه لو خلا البلد من الحَجَّام تسارع الهلاك إليهم، وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك؛ انتهى”[14]. وقال النووي – رحمه الله -: (وأما العلوم العقلية فمنها ما هو فرض كفاية؛ كالطب والحساب المحتاج إليه)[15].

وقال العز بن عبدالسلام – رحمه الله -: (فإن الطب كالشرع، وُضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام…والذي وضع الشرع هو الذي وضع الطب؛ فإن كل واحد منهما موضوع لجلب مصالح العباد، ودَرْء مفاسدهم)[16].

ثانيًا: البيع والشراء وغيرهما من فروض الكفاية: واعلم أن فروض الكفاية تشمل مناحي الحياة، وكل ما تتم به المعايش؛ كالبيع والشراء والحرث وتولي الإمامة والشَّهادة وأدائها والقضاء وإعانة القضاة على استيفاء الحقوق، وحتى تزويج العزب والعانس؛ إذ إن حل مشكلة العنوسة في المجتمع تدخل في إطار فروض الكفاية؛ لأن القرآن الكريم قال: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 32]، والخطابُ في الآية الكريمة موجَّهٌ للأمة كلها، فلو عجز إنسان عن تزويج ابنه أو ابنته توجَّه الأمر إلى الأمة كلها؛ حتى لا يكون فيها عزَبٌ ولا عانس. يقول ابن القيم – رحمه الله -: ومِن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة؛ كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك، فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك. ولهذا قالت طائفة من أصحاب أحمد والشافعي: إن تعلم هذه الصناعات فرض على الكفاية؛ لحاجة الناس إليها، وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم، وكذلك أنواع الولايات العامة والخاصة التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها)[18].